محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )

190

الإنجاد في أبواب الجهاد

القسطنطينية - وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ، والروم مُلصِقوا ظهورهم بحائط المدينة ، فحمَلَ رجلٌ على العدو ، فقال الناس : مَهْ مَهْ ، لا إله إلا الله ، يلقي بيديه إلى التهلكة ، فقال أبو أيوب : إنما أنزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار ؛ لما نصر الله - عز وجل - نبيه - صلى الله عليه وسلم - ، وأظهر الإسلام ، قلنا : هَلُمَّ نقيم في أموالنا ونصلحها ، فأنزل الله - عز وجل - : { وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ } [ البقرة : 195 ] ، فالإلقاء بالأيدي إلى التهلكة : أن نقيم في أموالنا ونصلحها ، وندع الجهاد . قال أبو عمران : فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى دفن بالقسطنطينية . وقد اختلف في تأويل الآية ؛ ذكر إسماعيل القاضي في « أحكام القرآن » عن حفص ، عن شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن البراء : قال : قلت : أرأيت قول الله - عز وجل - : { وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ } [ البقرة : 195 ] ، أهو الرجل يحمل على

--> = فدلَّ ذلك على ما رواه أبو أيوب من أن إمساك المال والبخل عن إنفاقه في سبيل الله والاشتغال به هو التهلكة . وأيضاً ؛ فإنَّ أبا أيوب أخبر بنزول الآية في ذلك ؛ لم يتكلم فيها برأيه ، وهذا من ثاني روايته عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو حجة يجب اتباعها . وأيضاً ؛ فإن التهلكة والهلاك لا يكون إلا بترك ما أمر الله به أو فعل ما نهى الله عنه . فإذا ترك العباد الذي أُمِروا به ، واشتغلوا عنه بما يصدهم عنه ؛ من عمارة الدنيا ؛ هكلوا في دنياهم بالذل وقهر العدو لهم ، واستيلائه على نفوسهم وذراريهم وأموالهم ، وردِّه لهم عن دينهم ، وعجزهم حينئذٍ عن العمل بالدين ، بل وعن عمارة الدنيا وفتور هممهم عن الدّين ، بل وفساد عقائدهم فيه . قال - تعالى - : { وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِن اسْتَطَاعُوا وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } [ البقرة : 217 ] . إلى غير ذلك من المفاسد الموجودة في كل أمة لا تقاتل عدوها سواء كانت مسلمة أو كافرة . فإنّ كل أمّة لا تقاتل فإنها تهلك هلاكاً عظيماً باستيلاء العدو عليها وتسّلطه على النفوس والأموال . وترك الجهاد يوجب الهلاك في الدنيا كما يشاهده الناس ، وأما في الآخرة فلهم عذاب النّار » .